من كنعاني أسود سيّد إلى «إيسوقي» تابع.. مؤامرة فرنسا في سرقة الهوية


بقلم: محمد مقنع

إن العنصرية الموجَّهة ضد السود المغاربة ليست ظاهرة عفوية، ولا نتاج ممارسات اجتماعية معزولة، بل هي ثمرة سياسة استعمارية ممنهجة اتخذت من تزوير التاريخ وتشويه الهوية أداة لإعادة تشكيل الوعي الجماعي. فقد أدرك الاستعمار الفرنسي أن إخضاع الشعوب لا يتحقق بالسيطرة على الأرض وحدها، بل يقتضي أيضًا الهيمنة على الذاكرة، لذلك عمل على إعادة صياغة تاريخ المغرب بما يربط السود بالعبودية، ويجردهم من امتدادهم التاريخي وأصالتهم وتجذرهم في هذه الأرض. ولم تتوقف هذه السياسة بانتهاء الوجود الاستعماري، بل استمرت من خلال عملائه الذين زرعهم في مؤسسات الدولة، حيث واصلوا إعادة إنتاجها وترسيخها بعد الاستقلال.

 

ولم يقتصر هذا المشروع الشيطاني على تزوير الوقائع التاريخية، بل امتد إلى صناعة منظومة رمزية كرّست الرواية الاستعمارية في الوعي الجمعي، وكان من أبرز أدواتها إلصاق الألقاب المهينة بالسود المغاربة. فلم تكن تلك الألقاب مجرد أوصاف ازدرائية، بل آليات أيديولوجية استهدفت الحط من الكرامة، وتشويه الهوية، وقطع الصلة بالماضي، حتى يُنظر إلى السود باعتبارهم جماعة بلا تاريخ، ولا شرعية، ولا حق أصيل في الارض، وهو ما يهيئ المناخ لتبرير إضطهادهم والاستيلاء على حقوقهم وثرواتهم.

 

ويُعد الكنعانيون اليهود السود الذين يعمرون منطقة سوس المغربية من أبرز الأمثلة على هذه السياسة. فقد أكدوا للأنثروبولوجيين الفرنسيين أن وجودهم في منطقة سوس يعود إلى عهد الملك اليهودي سليمان، وأنهم ينحدرون من ارض كنعان، غير أن ذلك لم يمنع من إلصاق لقب «أسوقين» المهين بهم، في محاولة لمحو اسمهم التاريخي وتجريدهم من عراقتهم واستبدال هوية راسخة في الذاكرة التاريخية بأخرى لا تحمل أي امتداد حضاري. ولم يكن اختيار هذا اللقب أمرًا عفويًا، بل أدى إلى طمس الانتماء الكنعاني الذي ظل ملازمًا لهذه الجماعة عبر قرون طويلة، وحجب صلتها بتاريخها المعروف في المصادر القديمة.

 

وتكتسب هذه الواقعة أهمية خاصة لأن استيطان الكنعانيين لشمال إفريقيا لم يكن مجرد رواية متداولة، بل حقيقة سجلها المؤرخون الإغريق والرومان منذ القرن السادس قبل الميلاد. كما كتب القديس أوغسطين في القرن الخامس الميلادي أن سكان مدينة هيبو ريجيوس، عنابة الحالية، كانوا إذا سُئلوا عن أصولهم، أجابوا باللغة الفينيقية بانهم كنعانيون، وهو ما أورده بقوله:

 

Aurelius Augustinus Hipponensis, Epistulae ad Romanos inchoata expositio 13.5

Unde interrogati rustici nostri, quid sint, punice respondentes: Chanani

 

إن استبدال الاسم التاريخي الذي حفظته المصادر القديمة بلقب مهين لم يرد في أي نص تاريخي معروف ، ولا يستعمله السكان السود الأصليون للإشارة إلى أنفسهم، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تحول لغوي أو تبدل في الاستعمال، بل كان، في جوهره، وسيلة لقطع الصلة بالماضي وإقصاء جماعة من تاريخها. فحين يُمحى الاسم الذي عُرفت به جماعة عبر القرون، ويُستبدل بلقب انتقاصي خالٍ من أي مضمون تاريخي، يصبح من اليسير إنكار جذورها، ونزع شرعيتها التاريخية، وتقديمها باعتبارها جماعة بلا ماضٍ ولا حقوق تاريخية، وهو ما يفتح الباب للاستيلاء على تاريخها وأرضها وإقصائها من الرواية الوطنية.

 

وقد نقل هؤلاء الكنعانيون السود إلى عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي رومان سيمينيل شهادةً أوردها في كتابه على حدود آيت باعمران: منفى في أرض الأرغان (جنوب المغرب) ، جاء فيها:

 

الايسوقين (الكنعانيون)، الذين يؤكدون أنهم أقدم من استوطن هذه الأراضي (منطقة سوس المغربية)، يقولون إنهم أحفاد المنفيين من قبل سليمان:

الرواية 4: البدوي وسجن الملك سليمان

كان في الزمن الغابر أربعة سلاطين، اثنان منهم مؤمنان واثنان كفار. سِيدْنَا سليمان بن داوود وسِيدْنَا ذو القرنين كانا سلطاني المؤمنين. ونمرود بن كنعان وشداد بن عاد كانا سلطاني الكفار. عندما كان سليمان بن داوود لا يزال صغيراً، كان يملك مئة راعٍ بدوي يحرسون جماله. وذات يوم، نظر أحد هؤلاء البدو إلى الطفل سليمان، فسأله الأخير عما يراه فيه. أجابه الراعي: "عيناك هما عينا ملوك. ابقَ معي لحراسة جملي، وأعدك بأنك ستصبح ملكاً، بشرط أن تخلصني من جميع الرعاة الذين ينافسونني في تربية الماشية."

فمكث سِيدْنَا سليمان بن داوود مع هذا البدوي حتى بلغ أشده، وكان البدوي يعتبره كابنه، لأنه لم يكن لديه أبناء. وعندما أصبح ملكاً، قام سليمان بأسر منافسي البدوي ووضعهم ثلاثة بثلاثة على ظهور الجمال، ليُرحَّلوا عبر الصحراء ويُتركوا في منطقة سوس. ومن بينهم: أولاد علي، أولاد كَروم، أولاد تايمة، أولاد رحو، أولاد أولاد، وهؤلاء جميعهم أجدادنا. وقد ملأ سليمان كل منطقة هوارة، حيث ترك أبناء بدرحنين مع الكنعانيين.

من خلال هذه الرواية، يُعَرّف الإيسوقين أنفسهم على أنهم أول الوافدين، وليسوا سكاناً أصليين. كما أن استقرارهم في هذه الأراضي يُكتسب شرعيته من كونهم نُفوا بأمر من سليمان، النبي وملك المؤمنين. ويقدّمون أنفسهم كمنفيي سليمان، ويظهرون بالتالي كأحفاد قبائل مشرقية تحمل أسماؤها صدىً للّغة السامية (كنعانيون، إد كَروم)

 

L’origine est aux frontières Les Aït Ba’amran, un exil en terre d’arganiers (Sud Maroc) Romain Simenel

Les issuqin, qui se revendiquent comme les plus anciennement installés en ces terres, disent être justement les descendants des bannis de Suleyman :

Récit 4 : Le nomade et la prison du roi Salomon

« Jadis existait quatre sultans, deux étaient croyants et deux étaient infidèles. Sidna Suleyman ben Daoud et Sidna Duül Karnaïn étaient les deux sultans des croyants. Nemrod ben Canaan et Chadad ben A’ad étaient les deux sultans des infidèles. Lorsqu’il était tout jeune, Suleyman ben Daoud possédait cent bergers nomades qui gardaient ses chameaux. Un jour, un de ses nomades jeta un coup d’oeil sur l’enfant Suleyman et ce dernier lui demanda ce qu’il voyait en lui. Le berger répondit : “Tes yeux sont de ceux de la royauté. Reste chez moi pour garder mes chameaux et je te garantis que tu seras roi à condition que tu me débarrasses de tous les pasteurs qui me rivalisent dans l’élevage.” Sidna Suleyman ben Daoud resta vivre avec ce nomade jusqu’à ce qu’il atteigne l’âge mûr, et tout ce temps le berger le considéra comme son fils, lui qui n’avait pas d’enfants. Quand il devint roi, Suleyman captura les rivaux du nomade et les mit trois par trois sur des chameaux afin que ceux-ciles transportent à travers le Sahara pour les laisser dans le Souss. Parmi eux, il y avait les Ouled Ali, Ouled Kerum, Ouled Teyma, Ouled Rehou, Ouled Ouled, tous sont nos ancêtres. Il a rempli toute la région de Haoura où il a laissé les enfants de Badrahoneyn avec les Cananyoun. »

À travers ce récit, les issuqin se définissent comme les premiers arrivants et non comme des autochtones. De plus, leur installation en ces terres est légitimée par le fait qu’elle résulte de la volonté de Suleyman, prophète et roi des croyants. Ils se présentent tels des bannis de Suleyman et apparaissent à ce titre comme les descendants de tribus du Mashrek dont les noms ne sont pas sans rappeler des consonances sémitiques (Cananyoun, Id Keroum). 

 

وهنا يؤكدون له أنهم كانوا أول من عمّر منطقة سوس:

«أما الايسوقين (الكعنانيون)، الأقدم استيطانًا في هذه الأراضي، فيقولون إنهم أحفاد المنفيين الذين أرسلهم سليمان إلى هناك».

 

L’origine est aux frontières Les Aït Ba’amran, un exil en terre d’arganiers (Sud Maroc) Romain Simenel

Les issuqin, qui se revendiquent comme les plus anciennement installés ences terres, disent être justement les descendants des bannis de Suleyman :

 

ثم يضيفون أنهم لا يطلقون على أنفسهم لقب "إيسوقين"، وأنهم أحرار لم يكونوا يومًا عبيدًا لأحد، وأنهم أقدم من عمّر المنطقة:

 

«ولا يستخدمون مصطلح "إيسوقين" للإشارة إلى أنفسهم. بل يقولون ببساطة إنهم رجال أحرار أيضًا، وإنهم موجودون في المنطقة منذ زمن بعيد».

 

L’origine est aux frontières Les Aït Ba’amran, un exil en terre d’arganiers (Sud Maroc) Romain Simenel

Et n’emploient pas le terme issuqin pour se désigner. Ils disent simplement qu’ils sont eux aussi des hommes libres et qu’ils sont là depuis très longtemps.

 

ثم يقدّمون تفسيرًا للقب "إيسوقين" الذي يطلقه عليهم المجرمون المنفيون إلى أرضهم، إذ يقولون إن معناه "من ينظّم السوق"، ويعزون ذلك إلى سيطرتهم على أخصب الأراضي المنتجة للخضر والفواكه، فضلًا عن ممارستهم حرفتي الخزافة والحدادة:

 

«بينما يفسر الإيسوقين أن هذا الاسم يعني "من ينظم السوق"، في إشارة إلى مهنهم (الخزافة والحدادة). »

 

L’origine est aux frontières Les Aït Ba’amran, un exil en terre d’arganiers (Sud Maroc) Romain Simenel

alors que les issuqin expliquent au contraire qu’il signifie « celui qui fait le souk », allusion àleurs métiers (potiers et forgerons).

 

وهنا يؤكد أنهم يسيطرون على أخصب الأراضي، مستشهدًا بعقود بيع ورهن أراضيهم للمجرمين الذين نفاهم السلاطين العلويون إلى منطقة سوس:

 

الايسوقين: السكان الأصليون

إذا كانت بداية التاريخ السياسي لمنطقة آيت باعمران تعود إلى القرن العشرين، فماذا عن تاريخ الأرض التي سكنها واستغلها الناس منذ قرون أو حتى آلاف السنين؟ في هذه المنطقة الجافة والقاحلة، كانت الأراضي الأكثر خصوبة، أي تلك التي تحتوي على أكبر كمية من المياه الجوفية، مأهولة منذ زمن بعيد من قبل الايسوقين، وهم سكان سود أصليون غالبًا ما يمارسون مهن الخزف أو الحدادة.  كونهم متخصصين في الري، يمتلك الايسوقين في أراضيهم بعض الينابيع النادرة والآبار المشهورة بأنها لا تنضب. في فترات الجفاف، يعتمد جيرانهم عليهم في توفير المياه.

تشهد الكتابات القديمة للمسافرين، مثل ليون الإفريقي، والوثائق العقارية القديمة على الوجود الطويل للاسوقين في جنوب المغرب. المخطوطة المعروضة هنا، وهي عقد بيع بين حدادين وعائلة من العامة في فرع آيت يوب، مؤرخة بسنة 1612 ميلادية، تُظهر أن الايسوقين كانوا من ملاك الأراضي القدامى. يُذكر مالكو القطعة الأرضية على النحو التالي: "الشيخ منصور بن حداد ويحيى بن حداد وأحمد بن حداد..."، وكلمة "حداد" تعني بالعربية "الحداد". بالإضافة إلى عقود البيع، توجد أيضًا العديد من عقود الرهن المبرمة بين الايسوقين ومجموعات من الوافدين الجدد.

  

L’origine est aux frontières Les Aït Ba’amran, un exil en terre d’arganiers (Sud Maroc) Romain Simenel

Les issuqin : autochtones

Si l’histoire politique du pays Aït Ba’amran commence au XXe siècle, qu’en est-il de l’histoire de la terre qui est habitée et exploitée depuis plusieurs siècles ou millénaires ? Dans cette région sèche et aride, les terres les plus fertiles, c’est-à-dire celles où il y a le plus d’eau en sous-sol, sont occupées depuis très longtemps par ceux que l’on nomme les issuqin, population noire autochtone qui exerce bien souvent les métiers de potier (itghqi) ou de forgeron (amzil). Spécialistes de l’irrigation, les issuqin disposent sur leur territoire des quelques rares sources existantes, et des puits réputés intarissables. En période de sécheresse, leurs voisins dépendent d’eux pour l’approvisionnement en eau. La présence séculaire des issuqin dans le Sud marocain est attestée dans les écrits des anciens voyageurs, tel Léon l’Africain et dans de vieux papiers de propriété. Le manuscrit présenté ci-contre, un acte de vente entre des forgerons et une famille de laïcs dans la fraction des Aït Yuub, daté de 1612 apr. J.-C., montre que les issuqin sont d’anciens propriétaires terriens. Les propriétaires de la parcelle y sont mentionnés de la sorte : « Cheikh Mansour fils de Hadad et Yahya fils de Hadad et Ahmed fils de Hadad... », or hadad signifie en arabe « forgeron ». Outre les actes de vente, on trouve égalementde nombreux contrats de mise en gage de terres (rahn) conclus entre les issuqin et des groupes de nouveaux arrivants.

 

هؤلاء الكنعانيون السود، ينحدرون من اليهود الذين أسسوا مملكة امتدت من سوس إلى وادي درعة. ولا يقوم هذا الطرح على مجرد تشابه في الأسماء أو الروايات الشفوية، بل يجد ما يسنده في عدد من المصادر التاريخية الإسلامية التي تحدثت عن وجود تلك المملكة، وذكرت أن قبائل صنهاجة اليمنية والزغاوة قضت عليها في القرن الحادي عشر الميلادي عقب غزو السوس الأقصى. وتكتسب هذه الروايات دلالة إضافية في ضوء ما سجله عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي من أن المجرمين الذين نُفوا إلى منطقة سوس يشككون في إسلام هؤلاء السكان ويشبّهونهم باليهود. اذ خط:

 

«وفقًا للعلماء الدينيين، فإن الإسلام الذي يمارسه الإيسوقين قريب من الخوارج ويختلف عن الإسلام السني للقبائل الشريفة في سوس (منطقة الأطلس الصغير). أولياؤهم غير معترف بهم من قبل الآخرين، لكنهم يشاركون في المواسم القبلية. غالبًا ما يميل العلماء الدينيون في خطابهم إلى تشبيه دين الإيسوقين بدين اليهود الذين كانوا موجودين في المنطقة حتى قبل حوالي خمسين عامًا. يقال على وجه الخصوص إنه في تامدولت عقا، وهو دوّار يُعتقد أنه كان ذات يوم عاصمة للإيسوقين، يوجد ولي يهودي يُدعى سيدي شامويل. »

 

L’origine est aux frontières Les Aït Ba’amran, un exil en terre d’arganiers (Sud Maroc) Romain Simenel

Les savants religieux ont souvent tendance dans leur discours à rapprocher la religion des issuqin de celle des Juifs qui étaient présents dans la région jusqu’à il y a une cinquantaine d’années. Ils disent notamment qu’à Tamdultu Akka, douar réputé avoir été jadis la capitale des issuqin, se trouve un saint juif dénommé Sidi Chamuel.

 

المصفرون الذين يعمرون منطقة سوس اليوم ليسوا سوى عبيد ومجرمين نفاهم السلاطين العلويون إلى المنطقة. فقد كانوا يستخدمون سوس ودرعة وتافيلالت ومراكش لمعاقبة الخارجين عن القانون. وقد سبق أن رأينا ذلك في مذكرات العبد الإنجليزي توماس بيلو، التي يذكر فيها أن السلطان المولى إسماعيل نفى أكثر من ألف وخمسمائة عبد أوروبي إلى منطقة درعة بعد أن حاول أحد العلوج اغتياله. وتؤكد الروايات التي تتناقلها هذه الجماعات الأمر نفسه؛ إذ تحتفظ عائلات بأسماء تدل على مواطن أصلها، مثل: الريف، ووزان، وامجاط. اذ جاء في الكتاب:

 

إذا كانت الأصول الخارجية تُذكر من خلال الروايات الأسطورية، مثل تلك التي تتحدث عن القبائل المنفية بأمر من سيدنا سليمان، فإنها تظهر أيضًا في تركيبة أسماء العائلات والأنساب، حيث إن معظمها مشتق من أسماء قبائل أو مناطق في المغرب يُعتقد أن أجدادهم جاءوا منها:  أبودرار، لخا، امجاط، وزان، سملال، الريف، لخصاص، أوسى. وهي أسماء نجدها أيضًا في شكل أسماء أماكن، مثل أسيف عبودرار ("وادي عبودرار")، وفي أسماء الدوَّار.

جميع هذه الأصول التي تقع خارج بلاد آيت باعمران وتظهر في أسماء الأشخاص أو الأماكن يمكن تحديدها في منطقة سوس، وفي مناطق أخرى من المغرب، من المغرب العربي بل وحتى من المشرق.

في الخطابات الفردية، لا يخجل أحد من إعلان أصله الخارجي أو نسبه إلى جد منفي أو لاجئ. وفي نهاية المطاف، لا أحد يدّعي أن له أصلًا "آيت باعمرانياً"؛ فالأصول دائمًا تأتي من مكان آخر.

هذا ما يعيد إلى الأذهان مثال الإقاريين في الريف، والذين يروي أحد الأساطير الشفوية التي جمعها ريمون جاموس (2002: 231) كيف أن رجال تلك القبيلة قُتلوا على يد السلطان الأسود، ثم تم استبدالهم برعاياه القادمين من خارج القبيلة.

من خلال التأكيد على خارجية الأصول، يُبرز آيت باعمران الطابع الكوزموبوليتي (العالمي) لبلادهم؛ بلدٌ يمثل فيه تقريبًا كامل المغرب.

لكن، إذا كان آيت باعمران يتذكرون أصولهم الخارجية المتعددة، فكيف يمكنهم أيضًا الادعاء بالانتماء إلى هذا أو ذاك من الأجداد القبليين المشتركين؟

ما يبدو لأول وهلة مفارقة في الذاكرة لا يُنظر إليه إطلاقًا على أنه تناقض بالنسبة لهم، لأن نسبهم إلى جد قبلي لا يقوم على تصور زمني للماضي، بل على واقع معاش، وهو أنهم يسكنون أرض تلك القبيلة.

الأجداد القبليون يجسدون واقعًا ترابيًا أكثر من كونهم تسلسلاً زمنياً للأنساب: فهم لا يُنظر إليهم كشخصيات تاريخية، بل كمجالات جغرافية.

 

 

L’origine est aux frontières Les Aït Ba’amran, un exil en terre d’arganiers (Sud Maroc) Romain Simenel

Si les origines extérieures sont mentionnées par le biais de récits légendaires, comme celui sur les tribus exilées par Sidna Suleyman, elles trans paraissent aussi dans la composition de noms de familles et de lignages pour la plupart dérivés de noms de tribus ou de régions du Maroc d’où viendraient leurs ancêtres : Aboudrar, Lkha, Mjatt, Ouazzane, Simelel, Rif, Lakhssass, Oussa. Des noms que l’on retrouve aussi sous la forme de toponymes, tel Assif Aboudrar (« la rivière des Aboudrar »), et dans les noms de douar. Toutes ces origines extérieures au pays Aït Ba’amran mentionnées dans les noms de personnes ou de lieux sont localisées dans le Souss et dans d’autres régions du Maroc, du Maghreb voire du Mashrek, comme on l’a vu pour les lignages issuqin. Dans les discours individuels, personne n’a honte d’affirmer et d’afficher son origine extérieure et sa filiation à un ancêtre banni ou réfugié. Au final, aucun homme ne se revendique d’origine Aït Ba’amran ; les origines viennent toujours d’ailleurs. Cela n’est pas sans rappeler l’exemple des Iqariyen du Rif, dont un des récits oraux recueillis par Raymond Jamous raconte comment les hommes de cette tribu furent tués par le sultan noir et remplacés par ses sujets extérieurs à la tribu (2002 :231). En insistant sur l’extériorité des origines, les Aït Ba’amran mettent en lumière la dimension cosmopolite de leur pays ; un pays où presque tout le Maroc s’avère représenté. Mais alors, si les Aït Ba’amran se souviennent de leurs diverses origines extérieures, comment peuvent-ils aussi se dire affiliés à tel ou tel ancêtre tribal commun ? Ce qui paraîtrait, au premier abord, comme un paradoxe de la mémoire ne semble pas du tout antinomique pour eux, car leur filiation à un ancêtre tribal ne repose pas sur une représentation du passé mais sur un état de fait, celui d’habiter la terre de telle tribu. Les ancêtres tribaux incarnent plus une réalité territoriale qu’une temporalité d’ascendance : ils ne sont pas conceptualisés comme des personnes mais comme des espaces territoriaux.

 

يشنّ النظام الرجعي حرباً بالوكالة، منظّمة وممنهجة، ضد مواطنيه المنحدرين من أصول سوداء. لا تُدار هذه الحرب بالسلاح التقليدي، بل بأدوات أشد فتكاً: الطمس الثقافي، سرقة التاريخ، وتشويه الهوية.

 

أولى مراحل هذه الحرب تبييض العظماء والرموز التاريخية لهذه الفئة، وسلخهم من جذورهم الأصيلة لإعادة تصنيفهم ضمن سرديات أخرى تخدم الرواية المهيمنة. يُسرق إرثهم الحضاري، ويُحذف دورهم البارز في تشكيل تاريخ المنطقة، ثم يُلصق بهم ألقابٌ تحقيرية مقصودة مثل "الحراطين" (الأحرار من الدرجة الثانية) و"الإيسوقيين" وما شابهها. وهي ألقاب يرفضها هؤلاء أنفسهم تماماً، ولا يستخدمونها في تعريف هويتهم، لأنها فرضت عليهم فرضاً خارجياً يحمل دلالات الدونية والتبعية المقصودة.

 

أما المرحلة الثانية فهي الأخطر: صناعة تاريخ موازٍ مفصل على مقاس أيديولوجيا عنصرية. يتم اختراع كيان بشري مجهول الأصول والتاريخ، ينحدر من بقايا العبيد البيض والصفر، ثم يُمنح هذا الكيان لقب "الأماسيخ" ويُلبَس ثوب النبل والسيادة والحرية الأصيلة. يُقدَّم هؤلاء العبيد كأصحاب الأرض الشرعيين الوحيدين، وكأنهم يمثلون الهوية الأصلية النقية للمنطقة بأكملها. هذه العملية تدار بأساليب الدعاية النازية في إعادة هندسة التاريخ واختلاق "عرق أصيل" مقابل "آخرين دخلاء".

ولتثبيت هذا التزييف، يتم اختراع لغة وكتابة وتراث كامل من العدم، أو إعادة صياغته بشكل مشوه، ليصبح أداة تكريس لهذا العبث. تُصنَّع سنة ثقافية وأساطير مؤسِّسة، وتُفرض روايات أحادية تُقصي التنوع الحقيقي لشمال إفريقيا، وتُمجّد هوية مصطنعة على حساب الواقع التاريخي والجيني والأثري.

 

هذا المشروع ليس مجرد تحريف تاريخي عابر، بل هو عمل ماسوني شيطاني يهدف إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي، وفرض هوية واحدة مصطنعة تخدم مصالح نخب معينة، وتطمس الهوية السوداء لشمال افريقيا.

 

إن مواجهة هذا الطمس تتطلب التمسك بالمنهج العلمي، والعودة إلى الشواهد التاريخية والأنثروبولوجية واللغوية الحقيقية، بعيداً عن السرديات الإيديولوجية المفبركة. فالهوية الحقيقية لا تُصنع في غرف مغلقة، ولا تُفرض بقرارات سياسية أو إعلامية، بل هي نتاج تراكم حضاري عميق يجب أن يُحترم في كل أبعاده.

 

 

ليست هناك تعليقات